أحمد بن محمود السيواسي

263

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

إليه وميله ، ويجوز أن يكون للندب لغير المحدثين لقوله عليه السّلام : « من توضأ على طهر كتب اللّه له عشر حسنات » « 1 » ، ولا يجوز أن يشتمل الأمر الإيجاب والندب معا للفريقين لئلا يلزم الألغاز والتعمية بتناول الكلمة على معنيين مختلفين « 2 » ، وقيل : كان الوضوء لكل صلاة واجبا أول ما فرض ، ثم نسخ لما روي أنه عليه السّلام كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه ، فصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد ، فقال له عمر : صنعت شيئا لم تكن تصنعه يا رسول اللّه ، فقال عمدا صنعته يا عمر « 3 » ، يعني بيانا للجواز ، وقيل : « معناه « 4 » إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة » « 5 » ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) أي مع المرافق فيدخل المرافق في الغسل لورود السنة بذلك ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) والباء فيه زائدة ، وقيل : تبعيض « 6 » ، فمالك يوجب مسح جميع « 7 » الرأس كالوجه في التيمم ، وأبو حنيفة رحمه اللّه ربعه كأحمد رحمه اللّه ، والشافعي يوجب ما يطلق عليه اسم المسح كشعرة واحدة بخلاف حلق الرأس في الحج ، فإنه لا يجزي عنده أقل من ثلث شعرات ، لأن الأمر هنا مطلق المسح ، والأمر هناك حلق شعور الرأس ، وأقل الجمع ثلاثة عندهم ، قوله ( وَأَرْجُلَكُمْ ) بالنصب عطف على « أَيْدِيَكُمْ » وبالجر « 8 » عطف على « رؤسكم » على حسب التبعية والجوار كما في قوله « وَحُورٌ عِينٌ » « 9 » بالجر ، وأوجب بعض الناس المسح عليها لظاهر العطف ومنع بأن المسح لم تضرب له غاية في الشرع ، وهنا جاء ب « إِلَى » وهي غاية فيحمل المسح على الغسل الخفيف ، وقيل : وفائدة هذا العطف وإن كانت غير ممسوحة هي الحث على الاقتصاد في صب الماء على الرجلين ، لأنها مظنة الإسراف في صب الماء « 10 » ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) أي يجب غسل الرجلين مع الكعبين كاليدين مع المرفقين ، والشعبي ومحمد بن جرير لا يوجبان غسل المرفقين والكعبين مع اليدين والرجلين نظرا إلى كلمة « إلى » ، قيل : إنما جمع المرافق وثني الكعبين ، لأن جمع المرافق يقابل جمع المخاطبين فيلزم منه انقسام الآحاد بالآحاد ، وتثنية الكعبين لنفي توهم أن في كل رجل من الرجلين كعبين ، لو قال إلى الكعاب وإنما في كل رجل « 11 » كعب واحد له طرفان من جانبي الرجل ، فيكون التفسير على هذا أن كل مكلف يجب عليه غسل رجليه إلى الكعبين منهما بخلاف المرافق ، فإنه لا توهم فيه « 12 » ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) أي إن كنتم ملابسين بالجنابة فاغتسلوا ، والجنب لفظ مفرد يستعمل للواحد وغيره كقوله وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ « 13 » ، وأصل « اطهروا » تطهروا ، أدغمت التاء في الطاء وزيد ألف الوصل للابتداء بالسكون ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) أي من قضاء الحاجة ( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) أي جامعتموهن ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) للتوضؤ « 14 » والاغتسال ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) أي ترابا نظيفا ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) أي من الصعيد ( ما يُرِيدُ ) أي لا يقصد ( اللَّهُ ) لكم الرخصة والتكليف بالتيمم ( لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) أي ضيقا في دينكم ( وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) به من الأحداث والجنابة

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ، الطهارة ، 59 ، 61 ؛ وابن ماجة ، الطهارة ، 73 ؛ وأبو داود ، الطهارة ، 32 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 215 ؛ والكشاف ، 2 / 16 . لقوله عليه السّلام « من توضأ على طهر كتب اللّه له عشر حسنات » ، ب س : - م . ( 2 ) معنيين مختلفين ، ب : المعنيين المختلفتين لقوله عليه السّلام « من توضأ على طهر كتب اللّه له عشر حسنات » ، م ، المعنيين المختلفين ، س ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 16 . ( 3 ) رواه مسلم ، الطهارة ، 86 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 16 . ( 4 ) معناه ، س : - ب م . ( 5 ) عن زيد بن أسلم ، انظر البغوي ، 2 / 215 . ( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 7 ) جميع ، ب م : - س . ( 8 ) « وأرجلكم » : قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب بنصب اللام ، والباقون بكسرها . البدور الزاهرة ، 89 . ( 9 ) الواقعة ( 56 ) ، 22 . ( 10 ) اختصره من الكشاف ، 2 / 16 ؛ وانظر أيضا البيضاوي ، 1 / 257 . ( 11 ) وإنما في كل رجل ، ب م : وإنما قال في كل رجل ، س . ( 12 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 13 ) التحريم ( 66 ) ، 4 . ( 14 ) للتوضؤ ، ب س : للوضوء ، م .